السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
451
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الخروج من الكنيسة ، ولا بأس به غير أن الذي ذكرناه هو الأوفق بسياق الآيات . قوله تعالى : وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قد تقدم في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى إلى قوله : عَلَى الْعالَمِينَ أن الاصطفاء المتعدي بعلى يفيد معنى التقدم ، وأنه غير الاصطفاء المطلق الذي يفيد معنى التسليم ؛ وعلى هذا فاصطفاؤها على نساء العالمين تقديم لها عليهن . وهل هذا التقديم تقديم من جميع الجهات أو من بعضها ؟ ظاهر قوله تعالى فيما بعد الآية : إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه يبشرك ، الآية ؛ وقوله تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( الأنبياء / 91 ) ، وقوله تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( التحريم / 12 ) ؛ حيث لم تشتمل عمما تختص بها من بين النساء إلّا على شأنها العجيب في ولادة المسيح عليه السّلام أن هذا هو وجه اصطفائها وتقديمها على النساء من العالمين . وأما ما اشتملت عليه الآيات في قصتها من التطهير والتصديق بكلمات اللّه وكتبه ، والقنوت وكونها محدثة فهي أمور لا تختص بها بل يوجد في غيرها ، وأما ما قيل : إنها مصطفاة على نساء عالمي عصرها فإطلاق الآية يدفعه . قوله تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ؛ القنوت هو لزوم الطاعة عن خضوع على ما قيل ، والسجدة معروفة . والركوع هو الانحناء أو مطلق التذلل . ولما كان النداء يوجب تلفيت نظر المنادى ( اسم مفعول ) وتوجيه فهمه نحو المنادي ( اسم فاعل ) كان تكرار النداء في المقام بمنزلة أن يقال لها : إن لك عندنا نبأ بعد نبأ فاستمعي لهما وأصغي اليهما : أحدهما ما أكرمك اللّه به من منزلة وهو مالك عند اللّه ، والثاني ما يلزمك من وظيفة العبودية بالمحاذاة ، وهو ما للّه سبحانه عندك ، فيكون هذا إيفاء للعبودية وشكرا